الشيخ محمد رشيد رضا
154
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وتلك التزكية الباطلة في الدنيا أن غلبهم المسلمون على أمرهم ، واستولوا على أرضهم وديارهم وليعلموا ان اللّه العظيم الحكيم لا يحابي في سننه المطردة في نظام خلقه مسلما ولا يهوديا ولا نصرانيا لأجل اسمه ولقبه أو لانتسابه بالاسم إلى أصفيائه من خلقه بل كانت سننه حاكمة على أولئك الأصفياء أنفسهم حتى أن خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وعليهم أجمعين وسلم قد شج رأسه وكسرت سنه وردّي في الحفرة يوم أحد لتقصير عسكره فيما يجب من نظام الحرب ، فإلى متى أيها المسلمون هذا الغرور بالانتماء إلى هذا الدين وأنتم لا تقيمون كتابه ولا تهتدون به ولا تعتبرون بما فيه من النذر ، ألا ترون كيف عادت الكرة إلى تلك الأمم عليكم بعد ما تركوا الغرور واعتصموا بالعلم والعمل ، بما جرى عليه نظام الاجتماع من الأسباب والسنن ، حتى ملكت دول الأجانب أكثر بلادكم ، وقام اليهود الآن ليجهزوا على الباقي لكم ، ويستردوا البلاد المقدسة من أيديكم ، ويقيموا فيها ملكهم ؟ ؟ ؟ فاهتدوا بكتاب اللّه الحكيم وبسننه في الأمم واتركوا وساوس الدجالين الذين ببثون فيكم نزغات الشرك فيصرفونكم عن قواكم العقلية والاجتماعية وعن الاهتداء بكلام ربكم إلى الاتكال على الأموات ، والاستمساك بحبل الخرافات ، ويشغلونكم عن دينكم ودنياكم بما لم ينزله اللّه تعالى عليكم من الأوراد والصلوات ، وما غرضهم بذلك الا سلب أموالكم ، وحفظ جاههم الباطل فيكم ، أفيقوا أفيقوا ، تنبهوا تنبهوا ، واعلموا ان اللّه لم يظلم ولا يظلم أحدا فتيلا فما زال ملككم ، وذهب عزكم ، إلا بترك هداية ربكم ، واتباع هؤلاء الدجالين منكم ، * * * انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي انظر يا أيها الرسول كيف يكذبون على اللّه بتزكية أنفسهم وزعمهم أنهم شعبه الخاص وأبناؤه وأحباؤه وانه يعاملهم معاملة خاصة يخرجون فيها عن نظام سننه في سائر خلقه ، وهذا تأكيد للتعجيب من شأنهم في الآية السابقة لنعتبر به وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً أي وكفى بهذا الضرب من آثامهم إثما بينا ظاهرا فإنه تعالى لم يعاملهم معاملة خاصة مخالفة لسنن الاجتماع البشري التي عامل بها غيرهم